بين صنع القوالب وفهم التجربة البشرية

مايك روي Mike Rowe هو مُقدم برامج أمريكي عُرف ببرنامجه الشهير ’’المهن الوسخة Dirty Jobs ‘‘على قناة ديسكفري. وهو برنامج واقعي حيث يرافق روي العاملين في مهن صعبة وقليلة الشأن ويحاول أن يقوم بمهامهم لمدة يوم . في حديث شيق له على منصة تيد بعنوان ’التعلم من المهن الوسخة‘‘ أنه كان في إحدي حلقاته سيصور مع راعي غنم، وتوقع قبلها أن عملية إخصاء الأغنام ستكون جزءً من عمله . ولأنه موضوع حساس ويمس قضية الحيوانات فاتصل بجمعية حقوق الحيوان ليسأل ويتأكد من الطريقة الصحيحة للقيام بذلك. أخبروه أن الموضوع مباشر فقط عليهم أن يربطوا بمطاط الأجزاء المعنية بالإخصاء وسيسيل الدم بعد ذلك قليلًا وفي خلال أسبوع ستسقط الأعضاء المعنية من نفسها. اتصل روي بجمعية الرفق بالحيوان SPCA وجمعية الناس من أجل المعاملة الأخلاقية للحيوانات وجميعهم أكدوا نفس الطريقة، مما أشعره بالاطمئنان حيال ذلك. ولكن عندما ذهب روي لأربت الراعي وزوجته وجد أنهم بطريقة تبدو قاسية ومثيرة للإشئزاز يقطعون الأجزاء المعنية بالسكين ويسحبونها بفمهم ويرمونها في دلو مجاور لهم. ولأول مرة في تاريخ البرنامج اضطر روي لتوقيف التسجيل

روي :”أوقفوا هذا الجنون. هذا جنون. ونحن لا نستطيع أن نفعل هذا. أنا لا أعرف ما حدث للتو، ولكن هناك أعضاء في هذا الدلو وهذه ليست الطريقة التي يجب أن نقوم بها .”

أجاب الراعي: “حسناً، هذه هي الطريقة التي نتبعها.”

“روي: “لماذا تفعل ذلك بهذه الطريقة؟ أريد أن نفعل ذلك بالطريقة الصحيحة، مع المطاط.

الراعي: “مثل جمعية الرفق بالحيوان؟”

روي: “نعم، مثل جمعية الرفق بالحيوان. دعونا نفعل شيئاً لا يجعل الحمل تنزف – نحن في خمس قارات يا صاحبي. نحن في اليوم نظهر مرتين على قناة ديسكفري — لا نستطيع أن نفعل هذا.”

سايسه الراعي وقام بخصي حمل آخر حسب طريقة الرفق بالحيوان والتي يعرفها الراعي جيدًا. وجد روي الحمل الذي اُُخصى بالطريقة الصحيحة حسب الكتاب متألمًا ومنزويًا في ركن لا يستطيع الحراك . وعلم من الراعي أنه سيظل على هذا الحال أسبوعًا إلى أن تسقط الأجزاء المعنية ، بينما الحمل الذي أٌخصى بطريقة الراعي استطاع الحركة بشكل طبيعي بعدها بفترة قليلة جدًا وهو الآن يمرح ويجري بين العشب. يكمل روي حديثه كيف أن هذه القصة وعمله مع أصحاب المهن الوسخة ساعدوه في الانتقال من الجهل إلى المعرفة ونقاط التحول التي تجعلنا ندرك شيئًا كان موجودُا من البداية  ويقول

إذا كنت مخطئًا حيال ذلك، إذن ما هي الأشياء الأخرى التي كنت مخطيء فيها ويمكنني الحديث عنها

المعارف الموجودة في الكتب في مقابل المعارف والخبرات الحياتية هي من الأشياء التي تؤرقني. القوالب الجاهزة التي نضع الناس فيها في مقابل سعينا لفهم هذه المعارف بشكل حقيقي واختبارها في الحياة. اجتهادنا لفهم من يتعلمون منا وإعطاء أنفسنا فرصة لنتعلم من الناس وخبراتهم  والنظر إليهم بأنهم سيمكننونا بدلُا من أن ننظر لأنفسنا أننا هنا لنُمكنهم ونساعدهم . ربما من وضعوا طريقة إخصاء الحيوانات حسب معايير الرفق بالحيوان لم يختبروا أثرها بشكل عملي، ولم يفضوا يومُا مع راع غنم ولم يسألوه عن يومه وعلاقته بالحيوانات.

أتذكر تلك القصة وأنظر حولي فأجد أنني يمكنني أن أصبح مدربة تربية إيجابية معتمدة  في ثلاثة أيام ويمكنني أن أدرس الإرشاد والتربية لمدة عام وأصبح بعدها مرشد في التربية Parenting Caoch أضع بجوار اسمي كلمة معتمدة من الهيئة الدولية للإرشاد وأكتب مقالات عن التربية من خلال ما تقوله الأبحاث والدراسات وأخذ أموال من الأمهات في مقابل جلسات أخبرهم فيها كيف يربون أبنائهم وكيف يواجهون التحديات معهم. بينما في الواقع أنا لست أمًا ولم أختبر معنى التربية والأمومة بشكل شخصي ولم أرافق طفلًا أكثر من يوم كامل . ولكن ستكفي كلمة “مدرب معتمد ” لتُعرفني وتضعني في قالب .

جميل أن يتعلم الإنسان شيئًا ويسعى أن يُعلمه لغيره. ولكن القبيح أن يتعلم الإنسان شيئًا ويرى أنه أصبح لديه حلول جاهزة لكل المشاكل التي تواجه غيره. اؤمن أن النفس البشرية معقدة جدُا، أعقد من أن يسعها أطر ونظريات. وفهم هذه النفس يبدأ بالاستماع الصادق والمحاولة الصادقة لحل ما تواجهه. لن تكون المشكلة مشكلة  إذا كنت اؤمن أنني لدي حلول لها من قبل ما أفهم تلك المشكلة. وأنه مهما قرأنا وتعلمنا إذا لم نختبر ما نتعلمه بأنفسنا ونجتهد في بناء المعنى الخاص بنا ونرى كيف يصطدم ما نتعلمه بواقع الحياة سيصبح كل ما تعلمناه لا يساوي شيئًا. مثل طرق الرفق بالحيوان لإخصاء الحملان التي كانت بعيدة كل البعد عن الرفق وعن الحيوان.

منذ سبعينيات القرن الماضي، لا أذكر أنني كتبت أي كلمة لا يرتبط معناها بتأمل في خبرات مررت بها واجتهاد في توليف معنى لها، بما في ذلك اقتباسات من خبرات آخرين. يأتي هذا انسجامًا مع قناعة بدأت تتبلور عندي عندما بدأت أعي معرفة والدتي الأمية بدءًا من الرياضيات ، وأعي أن حياتها جسدت عالمًا متناغمًا، بينما معرفتي تدعي العالمية. لا يمكنني التفكير بكلمة واحدة يمكن أن يكون لها معنى عالمي. لذا فإن أي كلمة في هذا الكتاب ترد ضمن سياق وخبرات تحدد معناها.  منير فاشة – حكايتي مع الرياضيات

العام الماضي كنت مسؤلة عن برنامج تدريب وكنت أدير مجموعة نقاش وأبدأ بسؤال للجميع مناقشة معهم إجاباتهم. إلى أن نبهني مديري قائلًا ” أنت لا تستمعين بصدق للإجابات . أنت لديك إجابة للسؤال تحولين دفع الجميع نحوها . تسألينهم ما هو شعوركم تجاه تلك الفقرة التي قرأتوها. فإن كان شعور المشارك موافق لما ترغبين في الوصول إليه، تحمستي للإجابة وهززت رأسك وأعدت الإجابة مرة أخرى على الجميع ، أما إذا كانت الإجابة عكس النتيجة التي في رأسك تحاولين تحدي الشعور بالمزيد من الأسئلة وفي نهاية النقاش تخرجين بالنتيجة التي جهزتيها من البداية في الشريحة التي تلي السؤال” . تفكرت في كلامه ووجدت أنه صحيح جدًا . وتذكرت حديثه وأنا أشاهد فيديو دعائي لمعالجة نفسية تقول “أنا أعرف ما تمر به..أنا كنت مكانك يومًا ما واستطعت التحرر من أعبائي الداخلية وأنا هنا لأساعدك” قلت لنفسي لا أنت لا تعرفي شيئًا عن ما أمر به، عن حياتي وخبراتي وحيرتي ووجعي ، ما يؤرقني في الليل وما يدفعني للذهاب لعملي كل يوم . من أين أتت الثقة أنك تستطيعين مساعدتي قبل أن تسمعيني.

هنا تأتي المشكلة عندما نتعلم ثم نحاول بناء على ما تعلمناه أن نُساعد الناس وتغييرهم للأفضل (من وجهة نظرنا) من خلال قوالب جاهزة لدينا. عندما كنت أقرأ عن الفقد تعلمت أنه رغم أن جميعنا مر بتجربة فقد عزيز مرة واحدة في حياته على الأقل وأنه شيء يحدث كل يوم، إلا أن تظل تجربة الفقد شخصية جدُا ومختلفة جدُا لكل شخص عن الآخر. حتى وإن كنت مررت بتجربة مشابهة لتجربتك، حتى وإن كانت تجربتي أصعب من تجربتك إلا أنها تظل تجربة مختلفة وشخصية. لذا تبدأ مجموعات الدعم دائمًا بالاستماع والإنصات قبل التسرع في تقديم الحلول.

. كلما سمعت حديث أو قرأت شيئا لإلينور دكورث وهي البروفيسورة التي قضت عقودُا في التعليم في جامعة هارفرد  أجدها تتحدث عن الاستماع والانطلاق من أفكار المتعلمين. أجدها تقول في حديث لها : 

عادة نحن نريد من المتعلمين أن يغيروا أفكارهم، لهذا السبب نحاول التدريس… لكن أفكار المرء هي كل ما لديه.”

أتحدث مع باحثة ودكتورة جميلة في أهم معهد بحثي في العالم فتقول لي بتواضع مبهر ” أنا مدعوة لتقديم ورشة، ولكني لا أحب الحديث وإعطاء الورش…أحب أكثر أن أستمع لمن لهم حكايات وتجارب مثلك‘‘. أنبهر من استماعها بانصات لكل حيرتي وأفكاري المبعثرة. أقابل في تدريب باحثة ودكتورة أخرى شاب شعرُها بعد سنوات كثيرة من العمل في التعليم في بلاد مختلفة فتأتي بعد الورشة لتقول لي “السؤال الذي طرحتيه مثير جدًا للاهتمام، أريد أن أتحدث معك وأسمع منكِ أكثر عن تجربتك” وتأتي في النهاية لتقول لي “أنا سعيدة أني تعرفت عليكِ وتعلمت منك”. تعلمتي مني أنا ؟ لم أر ما رأيتيه ولم أدرس في ثلاث جامعات مختلفة مثلك ولم أسافر ولم ولم ثم تقولي لي بتواضع أنك تعلمتي مني ؟ أتساءل ما هذا العلم الذي يورث التواضع والتساؤل ومحاولة فهم الغير والقبول بقول لا أعرف. ربما قبولنا لكملة أننا لا نعرف وبحثنا على الإجابة سيجعلنا أكثر انفتاحُا للتجربة وصدقًا في البحث. وعندما ينتقد أحد ما نقوله بدلًا من أن نرد عليه قائلين أن ما نقوله صحيح لأنه علم ولأن الأبحاث تقول ذلك، نتوقف لبرهة متأملين ما يقوله ، محاولين فهمه والدخول معه في نقاش حقيقي واختبار أفكارنا مرة أخرى . يمكننا أن ننطلق في علاقة متداخلة بين المعارف النظرية من ناحية وبين تقدير التجربة البشرية ومحاولة فهم المتعلمين بصدق وانفتاح من ناحية أخرى. وبدلًا من من أن نستغرق وقتًا كثيرًا في البحث عن أفضل الأنشطة لعمر سبع سنوات، ننطلق من التساؤل عن ما يحبه هؤلاء الأطفال وما الذي يثير اهتمامهم. نجرب شيئًا معهم ونتأمل في ردود أفعالهم وتفاعلهم ثم نعود مرة أخرى لما قدمناه . أذكر أني أحيانًا أقدم ورشة للأطفال فيتركونني ويذهبوا قائلين “إيه ده يا مريم…هو ده اللي إنت عايزانا نعمله” ، ثم أقدمها مرة أخرى بعد كثير من الحيرة وسؤال أهل الخبرة ووضع الأخطاء التي قمت بها، يأتي متعلمون أخرون ليقولوا أنهم استمتعوا جدٍا بذلك النشاط.

كل يوم أقرأ الكثير من المنشورات عن نصائح وطرق في التعامل مع الأطفال من مدربين معتمدين. نصائح نصائح نصائح مستقاه من أبحاث وكتب. أصبحت أخشى أن تندثر حكايات الأمهات وتجاربهم الشخصية في مقابل هيمنة ما تقوله الأبحاث والكتب . كلمة “مدرب معتمد” أصبح لها لها وقع أقوى من كلمة أم لطفلين تحاول وتجرب . أخشى أن نفقد الإيمان بأن ما نقوم به قد يكون صحيحًا حتى وإن قالت الأبحاث والنظريات عكس ذلك. وأن تجربة واحدة صادقة من أم قد تكون أكثر فائدة مما تقوله عشرات الكتب والأبحاث. أعود مرة بعد مرة لتعليق من أحد الأمهات في منتدى التعلم الإبداعي   تقول

لدي خطة للانتقال إلى أوروبا خلال أشهر وأرغب بشدة بتعليم ابنتي القراءة بالعربية قبل تلقيها لغة اخرى وقبل انتقالي لحياة ربما تكون أكثر تعقيدا و كانت استجابتها باردة مع تعلم الحروف و مع الألعاب اللغوية بالرغم اني اعمل على هذا الجانب منذ ولادتها و احدثها بالفصحى و اقرأ لها الكثيرو اتناقش معها !!حاولت ان افكر اين المشكلة ؟ لماذا انا لدي هذا الدافع و الرغبة و هي ليس لديها هل يجب أن أخلق عندها الحاجة لذلك و الحاجة ستولد الرغبة . هل الدافع هو شيء يظهر فجأة مجهول السبب و الوقت أو أنه بذرة نزرعها نحن في الطفل ؟ أو ينشأ بمؤثرات البيئة ؟ عائشة بشكل عام تحب اللعب مع الاطفال وغالب ظني أن وجود الأقران سيشجعها كثيرا و يجذبها لكني لم استطع توفير هذا العامل لأتأكد إن كان بإمكان الأقران ان يزرعوا رغبة ليست موجودة. فكرت بفكرة الفترات الحساسة كما تسميها مارية مونتيسوري و ان ابنتي ببساطة لم تمر بعد بالفترة الحساسة للغة و بالتالي لا تبدي استجابة مع تعلم الحروف و القراءة و ان عليي ان أؤجل هذه الخطة لتظهر لديها الرغبة بتعلم الحروف و بنفس الوقت لازالت مشكلتي قائمة

الحمد لله بعد شهرين تقريبا من الكثير الكثير الكثير من قراءة القصص و غمرها على مدى اليوم ان صحت التسمية بفكرة الحروف و تقطيع الكلمات صوتيا و اختلاف التشكيل أجد استجابة جيدة. عملت على جانب تعزيز البيئة بالمؤثرات و ايجاد حاجة نوعا ما عندها لان تقرأ بنفسها بالاضافة اللعب الا انني لم استطع اختبار تأثير الأقران

الإنطلاق من مشكلة حقيقية وهدف صادق، التجربة والتساؤل والحيرة، البحث فيما تقوله الأبحاث ومحاولة تجربته، الحيرة مرة أخرى ثم الحيرة والتجربة. أسأل صديقتي التي حصلت على شهادة دولية معتمدة في مدرسة مارية منوتيسوري “هل كان جزء من الحصول على الشهادة تجربة هذه الأنشطة والأفكار بشكل عملي مع الأطفال ” قالت ” لا..كانت الدراسة مقسمة لجزئين، جزء نظري عن فكر مارية مونتيسوري ونختبر فيه بكتابة مقالات ..وجزء عملي حيث نرى كيف تُقدم الأنشطة ونختبر في طريقة تقديمها أمام لجنة” . أصبحت صديقتي معلمة معتمدة بهذه الشهادة في مدرسة دولية. أما أنا بعد سنوات في العمل في مجال التعليم أشعر أن الكلمة التي تُكلل كل هذه السنوات هي كلمة “لا أعرف”.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s