ما علمتنيه إياه مايا الصغيرة عن تصميم بيئات التعلم

أحيانًا كثيرة أتسائل عن جدوى ما نفعله مع الأطفال، هل ما  تفعله مجدٍ أم لا؟ هل يترك ذلك أثرًا فيهم؟ هل يتعلموا مهارة تبقى معهم بعد ذلك؟ أم أن الموضوع لا يتعدى قضاء بعض الوقت الجيد؟

من إسبوع عرضت على مايا تصوير فيديو للمشروع الذي كانت تعمل عليه. كان في بالي فقط تصوير المشروع وكيف يعمل كنوع من التوثيق، إلا أنها بمجرد ما سمعت بالاقتراح تحمست  بشدة للفكرة وأخذت ترتب المكان حولها ” لازم المكان يكون مرتب..It’s gonna be like an interview”

ثم أخذت هي وليان صديقتها يفكروا فيما سيقولونه،  بدأوا في كتابة النص ثم انتهى الوقت فاستأذنت أن تأخذ الدفتر معها المنزل لتكمل هي وليان ويتدربوا على نص الحوار. أتوا بالأمس ليكملوا الإعداد والتجهيز، ثم جائت لتخبرني “ميس مريم إحنا جاهزين لل interview”.

مشروع مايا عبارة عن iPad وهو لوحة من الفوم وبها أزرار من ورق الألمنيوم، وصلته بلوحة Makey Makey وبرمجت الأزرار باستخدام  لغة البرمجة سكراتش، فعندما تضغط على زر يشغل الملف الصوتي الذي سجلته بصوتها ليقول مثلًا “يوتيوب …إنستجرام…”

ربما أكثر ما لفت انتباهي في فيديو مايا وليان  كيف أنها تريد أن تخبر الأطفال أنهم أيضًا ” بإمكانهم أن يصنعوا أي شيء”،  وكيف أنها ربطت ما فعلته في هذا المشروع بتجربة سابقة قامت بها وهو فك  لعبة إلكترونية لرؤية ما بداخلها وكيفية عملها. الشعور بالقدرة والتمكين ، التجربة والمحاولة، وقدرتها على ربط تجارب مختلفة ببعض، فما الذي لا يمكننا فعله لخلق بيئات تعلم

إثارة الإهتمام: أثناء عملي مع كثير من المعلمين والمدربين أسمع دائمًا هذه الجملة “يجب أن نبدأ بالأساسيات” وبما أنه لا يوجد اتفاق بين الجميع عن ما تعنيه كلمة “أساسيات” فالحديث عن الأساسيات قد يعني الحديث لمدة ساعة أو ساعتين مثلًا عن البرنامج الذي سنستخدمه وإمكانياته، أو إذا كان مشروعنا يتضمن إلكترونيات مثلًا فيجب أن نشرح ماهي الكهرباء ومن أين أتت وماهو قانون أوم وماذا نعني بالجهد والمقاومة وكل ذلك قبل أن نبدأ بالعمل على مشروع. ولكن في الواقع ما يحتاجه المتعلمين صغارًا كانوا أو كبارًا ليس الأساسيات ولكن شيئين أساسيين:

إثارة الإهتمام والقليل من الكيفية لللبدء في التنفيذ.

 كان عنوان ورشتنا منذ أربع أسابيع في النادي هو “الآلات الموسيقية”، جهزت فيها مثالين متقني الصنع لبيانو وكمان بإستخدام Makey Makey وScratch ، وضعت هذه الأمثلة في منتصف الغرفة وبوصول الأطفال بدأنا في تجربتها، كانت مبهرة بالنسبة لهم كيف يمكن لورق الفوم أن يصدر أصوات البيانو والكمان. جربنا الأدوات وتسائلنا عن كيفية عملها وماهو تصورهم لما تتكون منه هذه النامذج.  كانت هذه الأمثلة هي المدخل لإثارة الإهتمام والفضول عن ما يمكننا فعله .

قليل من الكيفية : ساعدت مايا في تعلم أشياء بسيطة عن البرمجة ببرنامج سكراتش، كيف يمكنها أن تتحكم في البرنامج بأن يخرج صوتًأ عند الضغط على مفتاح معين في لوحة المفاتيح، وكيف يمكنها أن تسجل صوتها لتستخدمه في البرنامج. لم أتكلم كثيرًا عن البرمجة ، أعطيتها فقط ما تحتاجه للعمل على مشروعها لأن هذا ما تحتاجه الآن وليس كثير من المباديء والمفاهيم. هذ القليل ساعدها في البدء وأثناء عملها كانت تواجه بعض التحديات ، بعضها كانت تسأل عنه والبعض الآخر كانت تحاول التغلب عليه بنفسها. في كل الأحوال ما كانت تتعلمه حتى وإن كان قليلًا إلا أنه كان يجاوب على تساؤل ملح عندها وكان ذو معنىً بالنسبة لها، بدلًا من حشر مجموعة من المعلومات على أما أنها ستسفيد منها في المستقبل القريب أو البعيد.

الحرية : رغم أن موضوع الورشة كان الآلات الموسيقية، إلا أنا مايا أتت بفكرة الiPad ، كانت تعرف ماذا تريد أن تفعله ولديها الوقت والإستقلالية لتعمل على ما تريد. استغرقت مايا في هذا المشروع 4 جلسات ورافقتها ليان صديقتها في جلستين منهم. خيرت مايا ليان في البداية إذا كانت تريد أن تعمل على مشروعها الخاص أو تشاركها في مشروعها، واختارت ليان أن تشارك مايا في مشروعها. أخذت فيهم مايا دور المعلمة في أن تعلمها كيف تبرمج وكيف تُخرج الأصوات “الكهرباء رفيعة جدًا…لذا يمكنها يمكنها المرور في هذه الأسلاك”.

 بيئة آمنة: وهذا ما تحدثت عنه في تدوينات سابقة، يهم كثيرًا أن يشعر الأطفال أن هذه المكان آمن لهم، أن هناك مساحة واسعة من التجربة والخطأ والمحاولة، بدون أحكام مسبقة وبدون تنافس. وأن الكبار يدعمونهم في كل ذلك.

الأدوات : رغم أننا اعتمدنا في هذه الورشة على أدوات تقنية عالية نوعًا ما High Tech مثل سكراتش وMakey Makey إلا أن ما بجانب هذه التقنيات كانت الخامات البسيطة، والتي من دونها لم تكن مايا تستطيع الاتيان بمشروع به الكثير من التخصيص ويعبر عنها وعن أفكارها. أؤمن كثيرًا بقوة الخامات البسيطة : الفوم، الجوخ، الألوان المائية والأكريلك، المقصات، الصمغ، الخيوط والخرز، أكواب وأوراق، صلصال، ورق مقوى إلخ. حتى وإن لم يكن لها هدف محدد إلا أن مجرد وجودها في المكان يساعد الأطفال (والكبار أيضًا) على الإتيان بأفكار جديدة.

في بيئة كهذه، يصعب توقع ما الذي سيتعلمه الأطفال وما الخبرات التي سيكتسبونها من هذه التجارب ويصعب حصر التعلم في قائمة من النقاط. قد يأتي الجهد بنتائج مثمرة وقد يأتي بنتائج مخيبة بعض الشيء، في النهاية هي رحلة تعلم لي وللصغار على حدٍ سواء.

20170202_193413

7 أفكار على ”ما علمتنيه إياه مايا الصغيرة عن تصميم بيئات التعلم

  1. زمان عنك يا أستاذة مريم. لا أعرف الكثير من المدونات العربية التي أجد فيها محتوى غنيًا وأصيلًا كالذي أجده هنا، والذي لا يتميز بالأفكار التي يناقشها فحسب، وإنما بالروح والعاطفة التي تطرح بها هذه الأفكار. أتمنى لو أن هناك المزيد ممن يكتب مثلك، ولو أنك تشاركين مع العالم مزيدًا من كتاباتك.

  2. ما شاء الله مذهل

    لفت نظري فقرة ان بيئة امنة تتضمن عدم وجود تنافس

    و هو امر معاكس لما تربينا عليه ..انا شخصيا كان حافزي لاجل التمكن من تجاوز الدروس المملة و المجردة هو رغبتي في التفوق على زميلاتي فقط .. يعني لم اكن احب ان احفظ الجغرافية مثلا و غيرها من الدروس الجافة لكنني كنت افكر في الفخر الذي ساحصل عليه عند حصولي على أعلى علامة و هذا ما كان بدفعني للحفظ .

    بعكس الرياضيات و الفيزياء اللذين كنت احبهما لأنني كنت اشعر انهما مثل الالغاز و التسالي التي اقرؤها في مجلات الاطفال و التي تتطلب تفكيرا للوصول الى النتيجة .

    اشكرك لفتح عيني على هذه النقطة و ارجو منك ان تتوسعي فيها . فأنا ام لطفلين و لا اريد ان ارتكب اخطاء باجبارهما على الحفظ لغرض التنافس مع زملائهما فقط .

  3. ما شاء الله مذهل و رائع

    لفت نظري فقرة ان بيئة امنة تتضمن عدم وجود تنافس

    و هو امر معاكس لما تربينا عليه ..انا شخصيا كان حافزي لاجل التمكن من تجاوز الدروس المملة و المجردة هو رغبتي في التفوق على زميلاتي فقط .. يعني لم اكن احب ان احفظ الجغرافية مثلا و غيرها من الدروس الجافة لكنني كنت افكر في الفخر الذي ساحصل عليه عند حصولي على أعلى علامة و هذا ما كان بدفعني للحفظ .

    بعكس الرياضيات و الفيزياء اللذين كنت احبهما لأنني كنت اشعر انهما مثل الالغاز و التسالي التي اقرؤها في مجلات الاطفال و التي تتطلب تفكيرا للوصول الى النتيجة .

    اشكرك لفتح عيني على هذه النقطة و ارجو منك ان تتوسعي فيها . فأنا ام لطفلين و لا اريد ان ارتكب اخطاء باجبارهما على الحفظ لغرض التنافس مع زملائهما فقط .

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s