عن يُوسف وجدته التي ليست جدته

كثير مما أراه مع اﻷطفال يذكرني بشيء قرأته من قبل في كتاب، آخره كان مع يوسف (6 سنوات) وهو يحكي لي عن رحلته

Screenshot_2015-02-27-13-15-22-1

يُوسف 🙂

 اﻷخيرة إلى مصر.

يوسف:” وكمان أمي هالة حتيجي عندنا هنا”
مريم: ” اه..مين أمي هالة؟”
يوسف: “أمي هالة”
مريم: “آآآه جدتك (تذكرت أن والدة صديقتي اسمها هالة، فربطت أنه يحكي عن جدته)
يوسف:” ﻷ ..أمي هالة مش جدتي..تيتة فوزية هي اللي جدتي”

مريم: ” تيتة فوزية جدتك وأمي هالة كمان جدتك”

يوسف: ” ﻷ أمي هالة مش جدتي”


مريم: “مش هي مامة ماما”
يوسف: ” ﻷ ..هي مامة خالتو روضة وخالتو سوسو”
مريم (بدأت أخرف): هي مامة خالتو روضة وخالتو سوسو ومامة ماما. يعني كل الناس عندها 2 جدو وإتنين تيتة. أنا عندي إتنين، واحدة مامة ماما وواحدة مامة بابا. وإنت كمان عندك إتنين”
يوسف (سكت قليلاً): “وفين مامتك وباباكي؟”
لم أفهم سؤاله، وهو أيضاً ما قلته لم يعني له شيئًا.

في نفس اليوم مساءً فتحت معه الحوار ثانيةً

مريم:” مين مراة جدو أبو الفتوح”
يوسف” تيتة فوزية”
مريم:” طب وجدو نادر”
يوسف:” أمي هالة”
مريم:” طيب يعني دايما مرات جدو بتكون تيتة..جدتك”
يوسف: ” أمي هالة مش جدتييييييييييي…تيتة فوزية بس هي اللي جدتي”

بعد مرور أسبوعان تقريبا علي هذا الحوار وظنتته قد نسى الموضوع، فكرت أن أحكي له عن جدتي أنا، بدون أن أسأله عن أمي هالة أو أن أفتح الحوار معه ثانية
مريم: “يوسف إنت عارف أنا جدتي جت من مصر..تيجي معايا تسلم عليها”
يوسف:” اه”
مريم:” إحنا بنقولها نانََا فيفي”
يوسف:” نانََا فيفي..اسمها بيضحك أوي”
مريم: “وعندي جدتي التانية في مصر، اسمها تيتة عواطف..أنا عندي 2”
يوسف:” وأنا عندي واحدة..أمي هالة مش جدتي”.

وضحك.. وضحكت أنا أيضًا، وتوقف الحديث هنا. لم أكن مهتمة فعلاً بإقناعه أن جدته هي جدته. أتذكر عندما كنت صغيرة كان دائمًا يحيرني كيف أن العلاقة بيني وبين بنات خالي أني أكون ابنة عمتهم. كنت أعتقد أن العلاقة يجب أن تكون متماثلة: هن بنات خالي وأنا ابنة خالهم. حيرني أيضاً كيف أن بنات عمَاتي الاثنتين هم بنات خالة . كانت تحيرني تلك الأسئلة ولكني لم أسألها أبدًا.

ذكرني ذلك برواية مشابهة ترويها فيفان بالي وهي مُعلمة روضة وباحثة في التعليم المُبكر كانت تتبع طريقة تسجيل ما يدور في فصلها على شريط كاسيت، ثم تُفرغ هذه التسجيلات لتستمع لما يقوله الأطفال لتتعلم أكثر عنهم. تروي بالي في مقال جميل بعنوان “أن تستمع لما يقوله الأطفال”[1] عن فريدريك ذي الثلاث أعوام الذي يعتقد أن والدته ليس لديها عيد ميلاد (وليس مجرد حفلة عيد ميلاد) لأن جدته ماتت، وجدته هي من كانت تضع شموع عيد الميلاد في كل مرة يكون لأمه عيد ميلاد. تقول:

بالي: “هل تعتقد أن أمك ليس لها يوم ميلاد لأن جدتك توفيت؟”

فريدريك: “لأن جدتي ماتت، ووالدتي لا تعرف كم شمعةً عليها أن تضع.”

انتقلت بالي لمولَي ذي الثلاث أعوام أيضًا تسألها: ” فريدريك يقول أن والدته ليس لديها عيد ميلاد”.

مولَي متسائلة: ” لماذا؟”ن

فريدريك: ” لأن جدتي ماتت، ووالدتي لا تعرف كم شمعة عليها أن تضع”.

مولَي: ” وهل مات جدك أيضًا؟”.

فريدريك: “نعم، ولكنه عاد للحياة مرة أخرى”.

مولَي” إذن فلتسأل جدك، ربما جدتك أخبرته، وهو همس في أذن أمك ، ربما اليوم هو عيد ميلادها”

فيفيان بالي

فيفيان بالي

بالي: “ولماذا يهمس في أذنها؟”

مولي: “ﻷنه سر”.

فريدريك: “سأسألُه. ربما يمكن لأمي أن يكون لها عيد ميلاد في اليوم الذي أخبروها فيه أنه عيد ميلادها.”

تُعقّب بالي على هذه الواقعة فتقول:

لماذا لا نُخبر فريدريك بالحقيقة: “ لوالدتك بالطبع عيد ميلاد، كل البشر لهم عيد ميلاد.” قد يبدو ذلك الحل السليم لتصويب مفهومه عن عيدالميلاد، ولكني تعلمت أنني لا أستطيع أن أُعلم الأطفال شيئاً هم لا يعرفونه بالأساس.

إذن ليس الهدف في النهاية هو تصويب مفهوم فريدريك عن عيد ميلاد والدته، كما ليس الهدف إقناع يوسف أن كل البشر لديهم جدتان. أصبحت قصة يوسف نادرةً نحكيها مؤخرًا، ومع كل نقاش يتبادر السؤال “كيف نقنع يوسف أن أمي هالة هي جدته؟”

ولكن لمَ الهدف أن نجد طريقةً نُقنع بها يوسف بالحقيقة بدل أن نجد طريقةً نفهم بها كيفية فهمه للأمور ورؤيته للعالم من حوله؟ افتراض أن عقل يُوسف هو وعاء فارغ نملأه بالحقائق والمعلومات أو أننا نستطيع ببساطة أن نمسح فكرةً لنضع مكانها فكرةً أخرى هو افتراض خاطئ. علينا أن نبدأ بما يعرفه يوسف بالأساس، فالمعرفة تُبنى على معرفة سابقة. فما الذي تعنيه كلمة جدة ليوسف أصلًا؟ وهل هناك علاقة مثلاً بين كلمة “تيتة” ومفهوم الجدة؟ ولماذا مفهوم الجدة و”أمي هالة ” لا يجتمعان؟ ما التناقض الذي شعر به يوسف وجعله يُصر هذا الإصرار أن أمي هالة ليست جدته ؟ لا يمكننا أن نفعل شيئًا هنا سوى تقبّل وجهة نظره ومحاولة إثارة انتباهه ليُفكر في جوانب مُختلفة عن الموضوع[2]، والأهم هو أن يتحدث عنها ويجد من يهتم وينصت لما يتحدث عنه.

تقول بالي :

إن أي مُلاحظة يُبديها فريدريك عن عيد الميلاد هي مُلاحظة جديرة بالإهتمام، ليس لكي أصل بفريدريك إلى الحقيقة وينتهي الأمر، ولكن لكي أفهم تلك القضية المُلحة بالنسبة له. لكي أفهم أفكاره عن كيفية عمل العالم من حوله. إذا كنت أريد أن أعرف فريدريك حقًا، يجب على أن أفهم اشياء كثيرة عنه، منها كيف يرى عيد ميلاد والدته ووفاة جده.

الفُضول هو المدخل وليس فرض الإجابات الصحيحة. بينما نهتم بأن نتعلم أكثر عن الأطفال، علينا أن نُلاحظ، ونسمع، ونتساءل ونتعجب. عندما يكون لدينا فضول لما يقوله الطفل ونتفاعل معه، حينها يشعر بالاحترام. يشعر أنه مُحترم، وكأنه يقول لنفسه” ما الأفكار التي أقولها وتستحق هذا الاهتمام؟ يبدو أني شخص يحمل أفكار جيدة.” الأطفال الذين يجدون من يسمعهم سيبدؤون هم بسماع أنفسهم. وعندما تنقد وتُحلل المُعلمة أفكار الأطفال، سيبدؤون هم يومًا ما بنقد ذاتهم.

ولكن حتى الآن ،على عكس فريدريك، يُوسف لم يُفسر لماذا يعتقد أن أمي هالة ليست جدته. وعلى بساطة سؤال “لِماذا” لم أسأله إياه. و لم يخطر ببال أحدنا أن يسأله. حاولت أن أقنعه في البداية، ثم وجدت أنها فكرة خاطئة. حاولت أن أحكى له عن جدتي، أننا لا ندعوها “تيتة” وأن لي جدتين لعله يتسائل لم لدي جدتان وهو له واحدة، ثم استسلمت في النهاية. كُنت أفكر في أن نجمع صورًا لعائلته ونصمم شجرة عائلة، فربما يرى أن أمي هالة في موقع مُشابه لتيتة فوزية. ولكني لم أسأله السؤال الأهم: “لماذا.” شكرًا لعبدالرحمن إدلبي للتوضيح، حيث أخبرني:

سر التعلم ليس مجرد الاستماع للأطفال، وإنما دفعهم للكشف عن السبب (وبالتالي التفكير به) الذي يدفعهم لقول ما يقولونه‎. وهذا ما يصنع الفرق بين مجرد الاستماع (وقضية مجرد احترام رأيك بالمسألة) والاستماع النقدي critical listening الذي يسمح لنا وللطفل باستكشاف أفكاره وبالتالي التعلم ومن ثم تطويرها.‎

بالأمس سألت يُوسف:

مريم: “سيفو أنا عايزة أسألك سؤال.”

يوسف: “إيه”

مريم: “هو إنت ليه مقتنع إن أمي هالة مش جدتك؟”

يوسف: “عشان..عشان كده.”

مريم: “طيب ليه؟”

يوسف: “عشان هي مش جدتي.. أنا عندي واحدة. هي في مكة دلوقتي هي وجدو وبابا وعمتو شيرين.”

سَكت. سؤال “لماذا” لم يكن كافٍ لجعله يُعبر عن تفكيره. غيرنا الموضوع وعدت له بعد قليل.

مريم: “طب حسألك حاجة، لو مثلًا قلنا لأمي هالة تيتة أمي هالة، ساعتها ممكن تبقى جدتك؟”

يوسف: “آآه.”

تعجبت من بساطة الإجابة فسألته مجددًا.

مريم: “يعني لو قلتلها تيتة تبقى جدتك؟”

يوسف: “آآه.”

مريم: “طيب ما أنا كمان نانَّا فيفي جدتي بس مش بقلها تيتة..”

يوسف (مقاطعًا): “بس إنتي قلتي بتقولولها نانَّا”

مريم: “أيوة إحنا بنقولها نانَّا مش تيتة، و أحيانًا بندلعها بنقولها سيسي.”

يوسف: “سيسي …بس إحنا بنقول للسيسي يا سيسي.”

مريم: “آه يعني إحنا بندلعها ، وأحيانًا بنقولها فيفي بس…يعني عادي هي جدتي بس إحنا مش بنقولها تيتة ..إنت كمان ممكن تبقى أمي هالة جدتك زي ما نانَّا فيفي جدتي…إنت إيه رأيك هي جدتك ولا مش جدتك؟”

أعتقد أن سؤالي الآخير كان سخيف، أو به نوع من الضغط عليه. حتى وإنت كنت أتحدث معه بعدم اكتراث وبدون محاولة لفرض الفكرة عليه.

يوسف: “جدتي.”

تفاجأت من الإجابة، لا أعلم إن كان الحوار مُقنعًا له أو أنه كان يريد أن ينهيه وحسب.

مريم: “يعني هي جدتك؟”

يوسف: “اه جدتي.. هي الأول كانت جدتي وبعدين مش جدتي وبعدين جدتي وبعدين مش جدتي وبعدين رجعت جدتي تاني.”

مريم: “إزاي ؟”

يوسف: “يعني الأول ماما قالتلي إنها جدتي وبعدين أنا قلت مش جدتي وبعدين جدتي وبعدين مش جدتي.”

مريم: “ودلوقتي هي إيه؟”

يوسف: “دلوقتي هي جدتي.”

توقفت هنا، لم أفهم ماذا كان يعني بأنها كانت جدته ثم لم تعُد جدته ثم عادت جدته مرة أخرى. ربما أفهم منه ذلك في مرات قادمة.

————————————————————————————————————————————————

[1] Paley, Vivian Gussey

Harvard Educational Review, v77 n2 p152-163 Sum 2007

[2] Duckworth,E. The having of wonderful ideas.New York: Teacher’s College Press. P.158

4 أفكار على ”عن يُوسف وجدته التي ليست جدته

  1. جميلة يا مريومة…💖
    الطريف بقى ..بعد ماقرأت المقال وفرحني طبعا😊
    سألته: يوسف هي أمي هالة جدتك…قاللي: آه..
    قلتله: بس انت كنت بتقول انها مش جدتك…
    قالي:خلاص اتفقت مع مريم انها جدتي 😂
    غسلت دماغ الواد خلاص يامريم..
    …….
    بعد شوية سألته تاني: انت ليه مش بتقول على أمي هالة جدتك
    قاللي ( وهومتعصب وزهقان مني ): عشان مش عندها عصاية
    ..وانتبهت انه فعلا ممكن يكون احد الاسباب جدته والدة باباه معايا عصاية..وجدتي انا موجودة وبيقولها تيتة برضه عندها عصاية… فبالتالي ديه مواصفات الجدة عنده..نقولها تيتة وعندها عصاية …😀

  2. تعقيب: يُوسف يحكي عن شيئًا مهمًا | رحلة التعلم عن التعلم

  3. تعقيب: تأملات بعد عامين من التعلم عن التعلم :) | رحلة التعلم عن التعلم

  4. تعقيب: مقاومة التعلم | رحلة التعلم عن التعلم

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s