نحو بناء المعرفة في الفصول الدراسية 2

الحلقة الأولى

تخيل أن أمامك مجموعة كبيرة من قطع ميكانيكية، عجل،تروس، مسامير و أدوات لحام و معك كتيب به خطوات التركيب، أنت لا تعرف الصورة النهائية أو ما الذي تركبه ، تتبع الخطوات بدقة خطوة بعد الأخرى لتجد الصورة النهائية في النهاية هي العجلة.  قارن ذلك بموقع اخر ، لديك الصورة الكبيرة في البداية ثم القطع و الكتيب. كل ما تبني جزء يمكنك أن تقارنه بالصورة الكبيرة. تعرف موقعك من الصورة الكلية، ما أتممته منها و ما تبقى. هذا هو  المبدأ الثاني الذي يتحدث عنه كتاب In search of understanding : The case of constructivist classroom ، و هو : بناء تجربة التعلم حول مفاهيم و مباديء أساسية ( البحث عن الجوهر) Structuring Learning Around Primary Concepts: The Quest for essence

غالباً في مدارسنا ( و أنا أرجع بالذاكرة دائماً لأيام المدرسة و أنا أقرأ هذا الكتاب ) المنهج مُقسم إلى وحدات ، الوحدات إلى دروس و الدرس إلى مجموعة معلومات ينقلها المعلم للطالب بطريقة مجردة. طوال سنين دراستنا للرياضيات لم أعرف أبداً لما نحتاج للجا و الجتا Sine, Cosine أو لماذا نحتاج لمعادلات من الدرجة الثانية أو الثالثة. كل مفاهيم الرياضيات كانت تُقدم بصورة مجردة. نتعلم فقط كيف نحل المعادلات و نجد س و ص و لكن لماذا ؟ ما الهدف من هذه المعادلات و كيف تستخدم في الحياة ؟ كنا نقول ” يعني حروح للبقال و أقوله إديني 2 كيلو جتا”.

يقول الكتاب إن عندما يقدم المعلم المواضيع حول مباديء أساسية، مفاهيم كبيرة، أسئلة أو حالات مختلفة، فهذا يشجع الطلاب أكثر مما إذا قُدمت على شكل أجزاء و أفكار منفصلة و غير مترابطة. فعند تقديم الفكرة كمبدأ كبير يسعى الطلاب لإيجاد معنى بتقسيم الكبير إلى أجزاء صغيرة يمكنهم  رؤيتها و فهمها ، و إيجاد طرق لحل المشاكل التي تقابلهم أو ما لا يفهمونه، فهم   بذلك يقوموا بعملية بناء الفهم ، بدلاً من أن يقوم أحد اخر بهذه العملية نيابة عنهم و تقديمها بشكل جاهز لهم.

قد يبدوا الكلا م غير مترابط أو ليس ذي مغزى كبير ، و لكن يقدم الكتاب أمثلة كثيرة اخترت منها مثالين لتوضيح الفكرة.

الأولى عن مُدرسة تاريخ عليها تقديم درس عن الحروب و الصراعات، فبدلاً من رص المعلومات التاريخية عن كل حرب لما قامت و ما هي دوافعها و نتائجها ، اختارت المعلمة 3 حروب الحرب الأهلية الأمريكية ، حرب الإستقلال الأمريكية، و الحرب العالمية الثانية  و كتبت فقط أسماء الحروب على السبورة ثم بدأت بسؤال الطلاب عما يعرفونه عن هذه الحروب ، ما أوجه التشابه و الإختلاف بينهم . تفاعل الطلاب لطرح إجابات و تعلموا و فكروا من خلال إجابات بعضهم البعض،بحثوا في كتبهم عن إجابات لأسئلتهم التي طرحوها، كل ذلك كان يوضح كيف يبني الطلاب معرفتهم بالموضوع المطروح.

مثال اخر، قُدم تحدي لمجموعة من المعلمين ،  حيثُ أعطوا 95 كتاب كل كتاب له تصنيف معين و رقم ، و أُعطوا 7 أرفف كل رف يستطيع حمل 32 كتاب، و على المعلمين ترتيب الكتب في هذه book challengeالأرفف حسب قاعدتين :

1- يُجب أن تكون الكتب مُرتبة رأسياً حسب تصنيفها.

2- يُجب أن تُرتب الكتب أفقياً حسب ترقيمها.

انهمك المعلمين في إيجاد الحل لأكثر من ساعة، رغم أن بعضهم كان يرى في البداية أن لا مغزى من هذا التحدي، كل مجموعة ابتكرت طريقتها الخاصة، و بعد ما انتهوا قُدم لهم الهدف من هذه التجربة و هو فهم العلاقة بين عناصر الجدول الدوري .  حيث تمثل  الكتب العناصر الكيميائية في الجدول؛ و الأرقام تمثل الأعداد الذرية، والتصنيفات تمثل المجموعة الكيميائية Chemical Family لهذا العنصر.

 

العلاقات ليست مرتبطة فقط بتصنيفات الكتب و أرقامها ، و لكن أيضاً كان هناك علاقة بين اسم الكتاب أو تصنيفه، بطبيعة العناصر في الجدول الدوري. فمثلاً عُبر عن عنصر الهيليوم هو عنصر أحادي الذرة لا توجد له جزيئات له ، عُبر عنه بكتاب   The case of the lonely recluse أو  “حالة المتوحد المنعزل” . و مثلاً مجموعة العناصر التي تتسم بالخمول و عدم الإتحاد مع العناصر الأخرى (مثل الهيليوم ، النيون، الأرجون، الكريبتون، الزينون، والرادون) و التي توجد في أقصى يمين الجدول الدوري، كانت تحت تصنيف الكلاسيكيات الغامضة Mysterious Calssics نظراً لطبيعة تلك الغازات المختلفة  التي لا توجد بكثرة في الطبيعة.

يعبر أحد المعلمين الذين شاركوا في هذا التحدي فيقول : كانت الفكرة المُلحة لدي أننا  لا نعرف شيئ عن خصائص هذه العناصر، ليس لدينا معرفة مسبقة عن كيف هي ، ما رائحتها أو درجة  حرارتها العادية و فيما تُستخدم في الصناعة. كنا بارعين في حفظ الرموز، و لكن لما هذه الرموز ؟ ما كنا نعرفه كان قليل ، و حتى هذه القليل كان ثانوي. في خلال رحلتنا للتعلم علينا أن ننظر دائماً لأصل الأشياء ، و عندما نتعلم عن الجدول الدوري فلننظر إليه على أنه جدول من العناصر و ليس فقط جدول من الرموز.

إن تقديم المنهج حول مجموعة من الأفكار الكبيرة يمنح الطلاب مداخل عديدة للمشاركة في عملية بناء الفهم، فالبعض يتحمس لفكرة إيجاد حلول لمشاكل أمامه، البعض الأخر يفضل تحليل الفكرة الكبيرة وفقاً لمباديء و قواعد معينة، و البعض يبحث عن عن أمثلة أو ربط بين ما يتعلمه و ما يعرفه.

إن أي فكرة كبيرة لن تُشجع الطلاب فقط لكونها فكرة كبيرة، و لكن  دور المعلم في طريقة تقديمها للطلاب، و تشجيع التفاعل فيما بينهم، و ربط المادة المُقدمة باسئلة الطلاب و افتراضاتهم و تفسيراتهم المبدئية عن هذه المادة هو ما يهم .

يُتبع

فكرتان اثنتان على ”نحو بناء المعرفة في الفصول الدراسية 2

  1. جميل .. طيب في هذه الحالة كيف تضعين للطلاب الصورة الكبيرة التي تدفعهم الى تعلم الجا و الحتا او قواعد النحو مثلا ؟
    هل اطرح مسألة معقدة لا يمكنهم حلها الا من خلال استخدام الجا و الجتا ؟
    و بالنسبة للقواعد هل اعمل مسابقة لكي ارى من يستطيع ان يضبط قواعد قصيدة معينة مثلا اقدمها لهم بدون ضبط و لا حركات ؟

    • الموضوع لا يحتاج إلى التعقيد. ولكن يحتاج إلى المعنى. نحن البشر كبارًا وصغارًا نبحث عن المعنى في كل شيء.
      الجا والجتا تعلمناها بشكل مجرد ..مسائل رياضية على الورق لم نعرف ما فائدتها في الحياة. ولكن ما هي استخدامتها في الحياة؟ يحتاج المتعلم أن يرى الصورة الكبيرة لما يقوم به. وأنا لست معلمة رياضيات ولكن من لديه خبرة حقيقية في هذا المجال سيستطيع أن يأتي بهذه الصورة 🙂

      وكذلك قواعد النحو. أحتاج أن أقرأ وأسأل لماذا كُتبت بهذا الشكل ، وأن أكتب أشياء ذات معنى وأحاول أن أصحح ما أكتبه. وهكذا

      وأنا ضد المسابقات تماما 🙂

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s