بين صنع القوالب وفهم التجربة البشرية

مايك روي Mike Rowe هو مُقدم برامج أمريكي عُرف ببرنامجه الشهير ’’المهن الوسخة Dirty Jobs ‘‘على قناة ديسكفري. وهو برنامج واقعي حيث يرافق روي العاملين في مهن صعبة وقليلة الشأن ويحاول أن يقوم بمهامهم لمدة يوم . في حديث شيق له على منصة تيد بعنوان ’التعلم من المهن الوسخة‘‘ أنه كان في إحدي حلقاته سيصور مع راعي غنم، وتوقع قبلها أن عملية إخصاء الأغنام ستكون جزءً من عمله . ولأنه موضوع حساس ويمس قضية الحيوانات فاتصل بجمعية حقوق الحيوان ليسأل ويتأكد من الطريقة الصحيحة للقيام بذلك. أخبروه أن الموضوع مباشر فقط عليهم أن يربطوا بمطاط الأجزاء المعنية بالإخصاء وسيسيل الدم بعد ذلك قليلًا وفي خلال أسبوع ستسقط الأعضاء المعنية من نفسها. اتصل روي بجمعية الرفق بالحيوان SPCA وجمعية الناس من أجل المعاملة الأخلاقية للحيوانات وجميعهم أكدوا نفس الطريقة، مما أشعره بالاطمئنان حيال ذلك. ولكن عندما ذهب روي لأربت الراعي وزوجته وجد أنهم بطريقة تبدو قاسية ومثيرة للإشئزاز يقطعون الأجزاء المعنية بالسكين ويسحبونها بفمهم ويرمونها في دلو مجاور لهم. ولأول مرة في تاريخ البرنامج اضطر روي لتوقيف التسجيل

استمر في القراءة

مقاومة التعلم

إن نظرية التعلم التي تتجاهل مقاومة التعلم هي نظرية تتجاهل جوهر التعلم بالكلية – إيديث أكيرمان
A Theory of Learning that ignores resistance to learning missies the point – Edith Ackerman

لا أذكر كم مرة قرأت فيها هذه العبارة ولم اتوقف عندها كثيرًا وشعرت أنها متناسقة مع أفكاري وما اؤمن به. إلا إنني أريد أن أروي قصة حدثت معي شعرت فيها بالتناقض بين ما اؤمن به بشكل نظري وبين محاولات تطبيقه . كنت مسئولة عن برنامج تدريبي للمدربين يضم حوالي 30 مدربًا ومدربة من خلفيات مختلفة أغلبها بين الهندسة والتصميم. وكان على هؤلاء المدربين بعد ذلك تدريب مجموعة كبيرة من المعلمين، حوالي 120 معلم في مدن مختلفة. ولٍكبر العدد والانتشار في المناطق، كان يعنيني حقًا أن يتبع المدربون طرق التدريب التي نراها صحيحة، لذا كتبنا في أهداف التدريب :

استمر في القراءة

المغامرات أولًا والشروحات لاحقًا (1/2)

قالت أليس : يمكنني أن أخبرك عن مغامراتي بداية من هذا الصباح، لكن لا فائدة من العودة للأمس لأنني كنت شخصًا مختلفًا حينها

أخبرينا بذلك كله، ردت السلحفاة

قال جريفون : لا لا ..المغامرات أولاً..فالشروحات تأخد وقتًا لا يُحتمل

.مقتطف من أليس في بلاد العجائب للويس كارول

” المغامرات أولا فالشروحات تأخذ وقتًا لا يُحتمل..” أتذكر هذا الاقتباس دائمًا أثناء حديثي مع المعلمين والمربين عن التعلم من خلال المشاريع. . يمكننا تعريف التعلم من خلال المشاريع ببساطة هو أن يتعلم الناس- أطفالًا كانوا أو كبارًا – من خلال العمل على مشروع يحاولون الإجابة فيه عن سؤال ما في العالم ويجدون في ذلك المشروع معنىً شخصيًا بالنسبة لهم. 

استمر في القراءة

ما علمتنيه إياه مايا الصغيرة عن تصميم بيئات التعلم

أحيانًا كثيرة أتسائل عن جدوى ما نفعله مع الأطفال، هل ما  تفعله مجدٍ أم لا؟ هل يترك ذلك أثرًا فيهم؟ هل يتعلموا مهارة تبقى معهم بعد ذلك؟ أم أن الموضوع لا يتعدى قضاء بعض الوقت الجيد؟

من إسبوع عرضت على مايا تصوير فيديو للمشروع الذي كانت تعمل عليه. كان في بالي فقط تصوير المشروع وكيف يعمل كنوع من التوثيق، إلا أنها بمجرد ما سمعت بالاقتراح تحمست  بشدة للفكرة وأخذت ترتب المكان حولها ” لازم المكان يكون مرتب..It’s gonna be like an interview”

ثم أخذت هي وليان صديقتها يفكروا فيما سيقولونه،  بدأوا في كتابة النص ثم انتهى الوقت فاستأذنت أن تأخذ الدفتر معها المنزل لتكمل هي وليان ويتدربوا على نص الحوار. أتوا بالأمس ليكملوا الإعداد والتجهيز، ثم جائت لتخبرني “ميس مريم إحنا جاهزين لل interview”.

استمر في القراءة

عن الصواب والخطأ 2/2

توقفنا في التدوينة السابقة عن ما الذي تعنيه البيئة الآمنة؟ وما الذي يمكن للمعلم فعله لخلق هذه البيئة؟.  البيئة الآمنة هي المكان الذي يستطيع فيه الإنسان سواء كان صغيرًا أو كبيرًا أن يُعبر عن أفكاره وعما يدور بداخله  بحرية وبدون خوف.  والخوف  ليس المقصود به هنا  الخوف من العقاب أو من الصوت العالي فحسب فهناك أنواع كثيرة  من الخوف منها:الخوف من أنني لست جيدًا بما فيه الكفاية فهناك دائمًا من هو أفضل مني، ذلك الأفضل الذي يتلقى دائمًا المدح والتقدير، أنا أحاول ولكنني  لن أكون يومًا مثله، وهناك الخوف من أنني لم أصل لما هو مُتوقع مني فهؤلاء الكبار يتوقعون أنني سأحصل على درجة عالية أو أنني سأجيب على السؤال بطريقة صحيحة من أول مرة.  الخوف من الخطأ لأن الخطأ دائمًا غير مقبول .

استمر في القراءة

عن الصواب والخطأ 1/2

جميعنا مررنا بهذا الموقف من قبل في فصولنا الدراسية ، حيث تطرح المُعلمة سؤال فيتسابق بعض الطُلاب في رفع أيديهم للإجابة، ويمتنع البعض الآخر لأنه غير متأكد أو لا يعرف. تختار المُعلمة أحدهم فيجيب، ثم ترد هي “خطأ” ثم تختار طالب أخر فيجيب، تهز رأسها بعدم الموافقة. يُجيب طالب ثالث فترد “مممم..إقتربت من الإجابة الصحيحة”. يُجيب طالب رابع فتهز رأسها بحماس”ممتااااز..إجابة صحيحة..صفقوا لزميلكم”.

مشاعر وأفكار سلبية كثيرة تصل للطالب في هذه اللحظة، وتستمر معه لسنوات كثيرة فيما بعد. أولها أن هناك دائمًا إجابة واحدة صحيحة لكل سؤالـ ، إجابة تُريدها المُعلمة والتحدي هو أن تصل لتلك الإجابة. لماذا؟ لا يهم. ثانيها، هو أن محاولاتي في التفكير لإجابة للسؤال لا تهم، وقد يبو الأمر مخاطرةً أنا أرفع يدي لأجيب على سؤال دون التأكد من أن هذه هي الإجابة المطلوبة. فالمعلمة لا ترد على إجابة الطالب بقول ” لم أفكر بتلك الطريقة من قبل، هل يمكنك أن تخبرنا المزيد؟” أو “اشرح لنا أكثر ما تعنيه” أو “تلك طريقة مبتكرة لرؤية الأشياء ، كيف توصلت لهذه الإجابة”، بل غالباً ما ترد ب” لا” أو “خطأ” طالما لم تسمع الإجابة الصحيحة المطلوبة. ثالثاها، كسر الرغبة في الإكتشاف والتفكير والتحليل وزرع مكانها الإهتمام بماليس مهم، وهو تنبأ الإجابة الصحيحة التر ترغب بها المعلمة. ببساطة يصل للطالب أن هذه المكان الذي يجلس فيه ليس بيئة آمنة ليعبر فيها عن ما يدور بذهنه.

وهنا قد يتبادر سؤالان:

استمر في القراءة

تأملات بعد عامين من التعلم عن التعلم :)

   عندما بدأت منذ عامين تقريبًا في التعلم عن الأطفال وعلوم التعلم نفسها، كانت الخطوة الأولى هي أني أتيت بكل الكتب التي يبدو من عنوانها أنها تجاوب على سؤال ’’كيف‘‘.

–  كيف يتعلم الناس How People Learn،

 كيف يتعلم الأطفال How Children Learn،

 كيف ينجح الأطفال How Children Succeed،

التصميم من أجل تعلم الناس Design for How People Learn،

 كيف يفشل الأطفال How Children Fail .

كنت أبحث عن تفسيرات ونظريات، عن شيء أعتقد أنه مُعقد ولكن يمكنني أن أضعه في داخل إطار حتى وإن إستغرق الأمر بعض الوقت والجهد.

استمر في القراءة

عن يُوسف مرة أخرى

يوسف(6 سنوات) : “استني ..في حاجة مهمة هنا عايز أوريهالك”

أحضر حقيبة مدرسته وكنت مترقبة جدًا لأرى ما هي “الحاجة المهمة” . أخرج كتاب العربي وقلَب حوالي 60 صفحة وهو يقول “إستني..حوريهالك..حاجة مهمة” حتى وصل إلى الصفحة المُهمة، كان بها قصة ولد مريض ينصحه أبوه بشرب العسل كي يشفى.

يوسف: “خديجة لما أخدت العسل خفت..هي كانت عيانة وبعدين أخدت عسل..بصي ده العسل” وأشار على الصورة في الكتاب.

هي أول مرة يحكي لي فيها يوسف عن المدرسة. هو يحكي عن قطه مشمش الذي يحبه كثيرًا. يحكي عن تدريب الكاراتيه أو عن جدته الي يحبها كثيرًا أو رحلته لمصر. يحكي لماما أنه يخاف من أخي وأنه لا يحب أن يلعب مع البنات ولكنه يحبني أنا فقط من البنات كلهم. لكن أول مرة يريني فيها شيء مما يتعمله في المدرسة. وأخذت أفكر لماذا رأى أن هذه القصة هي “شيء مُهم” يستحق فعلًأ أن أراه. كان ينبغي أن أسأله ولكن ينعقد لساني في المواقف المهمة 😦

تفسيري الوحيد هو ربما بالنسبة ليوسف هي أول مرة يرى فيها إرتباط فعًلأ بين ما يتعلمه في المدرسة وحياته اليومية. خديجة كانت مريضة مثل الولد في القصة وشربت العسل مثله وشُفيت مثله أيضًا. ربما الأمر كان مُبهر بالنسبة ليوسف أن يجد هذا التشابه.

نجن البشر كائنات تبحث عن معنى وهدف لكل ما نفعله. “لماذا نحن هنا؟” ” ما الهدف من كل هذا؟” “إلى أين نحن ذاهبون؟” “هل يتسحق هذا الأمرالعناء فعلًا؟” هي كلها أسئلة نسألها لأنفسنا، فلماذا نفترض أن الأطفال غير ذلك ؟

Calvin and Hobbs - Big Picture1

عن يُوسف وجدته التي ليست جدته

كثير مما أراه مع اﻷطفال يذكرني بشيء قرأته من قبل في كتاب، آخره كان مع يوسف (6 سنوات) وهو يحكي لي عن رحلته اﻷخيرة إلى مصر.

يوسف:” وكمان أمي هالة حتيجي عندنا هنا”
مريم: ” اه..مين أمي هالة؟”
يوسف: “أمي هالة”
مريم: “آآآه جدتك (تذكرت أن والدة صديقتي اسمها هالة، فربطت أنه يحكي عن جدته)
يوسف:” ﻷ ..أمي هالة مش جدتي..تيتة فوزية هي اللي جدتي”

مريم: ” تيتة فوزية جدتك وأمي هالة كمان جدتك”

يُوسف :)

يُوسف 🙂

يوسف: ” ﻷ أمي هالة مش جدتي”

استمر في القراءة

كيف يفشل الأطفال ؟

“كيف يفشل الأطفال” هي مذكرات  المُعلم جون هولت  التي بدئها عام 1958 و -هو مُعلم و كاتب أمريكي عاش في الفترة بين 1923-1985 –  للبحث عن هذه الإجابة .   لماذا يفشل اللأطفال ؟ لماذا لا يُطور الأطفال في المدارس إلا جزء ضئيل جداً من قدراتهم على التعلم و التي تتجلى بوضوح في الثلاث سنوات الأولى  حيث يتعلم الأطفال مهارات حيوية مثل الكلام و المشي وحدهم ؟ كيف يُفكر الأطفال ؟  و كيف يحدث هذا الفشل ؟ كل هذه الأسئلة كان يحاول هولت أن يبحث عن إجابات لها. في البداية كان يكتب هذه المذكرات لصديقه المُعلم و بعذ ذلك انتشرت هذه how children fail1المذكرات بين مجموعة من المُدرسين المُهتمين و في عام 1960 صدرت أول طبعة من هذا الكتاب الذي بيع منه أكثر من مليون نسخة .

النقطة التي ينطلق منها هولت في مقدمة كتابه هو أننا -كمُعلمين- مسئولين عن رحلة تعلم الأطفال في مدارسنا ، بكل ما تحمله هذه الرحلة من عواقب. عندما يُخفِق الأطفال فنحن المسئولون كُلياً عن هذا الإخفاق. نحن الذين لم نفهمهم ، لم نفهم قدراتهم  و رغباتهم و ما يمرون به  و لم نهيء لهم بيئة تعلم تناسب هذه القدرات ، و يجب أن نبحث عن الأسباب و نُعيد النظر في الطرق و الوسائل التي نتبعها و لكن الذي يحدث أننا دائماً نُلقي اللوم على الأطفال ، نلقي اللوم على قدراتهم ، جهودهم  و ربما مجتمعهم أو الظروف التي يمرون بها ، بينما نرى دائماً أن طريقتنا هي الأفضل و أننا فعلنا كل ما في وسعنا.  و القاعدة معروفة : عندما ينجح الأطفال الفضل يعود للمدرسة و المُعلم ، و عندما يخفقون اللوم دائماً يعود على الطفل. نحن لا نتحمل المسئولية إلا في حالة النجاح فقط.

استمر في القراءة